محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

مقدمة 3

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

وصغيرا ، وكثيرا ما كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ سورة النصر ( 1 ) ، وكان يجتمع عموم أهل المغرب يوم الجمعة للصلاة وراءه حتى السلطان وحاشيته وأتباعه ، حتى لم يبق بالمسجد مكان خال من الناس ، ورفع بعض أهل المغرب تظلما من الوالي ، فخطب بحضرة الوالي والشهود : فقال : « من الأمور المستحسنة أن لا يبقى لوالي سنة » فكان كما قال . وكان شيخه - رحمه اللّه - يقول : « ابن عباد أمة وحده » ، ويشير إليه ، وكان - رحمه اللّه - يشيد بذكره ويقدمه على سائر أصحابه ، ويأمرهم بالأخذ عليه والانتفاع به ، والتسليم له ويكرر قوله : « ابن عباد أمة وحده » . ولا شك أنه كذلك . . . وهو - رحمه اللّه - عند أهل فاس بمثابة الإمام الشافعي بمصر . توفي - رضي اللّه عنه - بعد صلاة العصر يوم الجمعة بداره ، في الرابع من شهر رجب سنة سبعمائة واثنين وتسعين ( 792 ) ه بكدية البراطل ، من داخل باب الفتوح ، ولما احتضر جعل رأسه في حجر أبي القاسم من أصحابه ، وأخذ يقرأ آية الكرسي ، إلى أن وصل إلى « الحيّ القيوم » ، فصار يكررها ، فلقنه بعض الحاضرين بقية الآية الشريفة : ظنا منه أنه غير قادر على إتمامها ، فقال رضي اللّه عنه بلسان فصيح : ما عودوني أحبّائي مقاطعة * بل عودوني إن قاطعتهم وصلوا وكان هذا آخر كلامه - رضي اللّه عنه - وأمدنا بأسراره . وحضر جنازته السلطان أمير المسلمين ، أبو العباس أحمد ، وخواص أتباعه ، و « فاس العتيق » التي هي محل الأعلام من الخاص والعام ، و « فاس الجديد » التي هي محل الأمراء والأعيان ، وأرباب المناصب وذوي الشأن . وبعد أن دفنوه - رضي اللّه عنه - همّت العامة بكسر نعشه : تبرّكا به . ومقامه من الأماكن التي يستجاب فيها الدعاء ، وعليه قبة مبنية معقودة ، وضريح يزوره الكبير والصغير ، ويتوسل إلى اللّه به الغني والفقير ، وذو الحاجة والعليل . وما استجار به أحد إلّا أجاره . وله - رضي اللّه عنه - كلام في التصوف عال ، فمن أراد الوقوف عليه فليراجع تآليفه ، وقد ترجم له تراجم حافلة كثير من ساداتنا أهل المغرب ، ألفوا في مناقبه مجلدات ، منهم : الإمام سيدي أحمد بن زرّوق ، ألّف كتابا مستقلا في مناقبه وفضائله . وما ذكرت إلا نقطة من بحر متلاطم الأمواج ، ففضائله لا تحصى ، ومناقبه لا تستقصى ، فهو بحر محيط لا ساحل له .